عثمان بن جني ( ابن جني )
338
الخصائص
فجمع بين ما وإن ، وكلاهما لمعنى النفي ، وهما - كما ترى - حرفان . قيل : ليست إن من قوله : * ما إن يكاد يخلّيهم لوجهتهم * بحرف نفى فيلزم ما رمت إلزامه ، وإنما هي حرف يؤكّد به ، بمنزلة ما ولا والباء ومن وغير ذلك ؛ ألا ترى إلى قولهم في الاستثبات عن زيد من نحو قولك جاءني زيد : أزيد إنيه ؟ وفي باب رأيت زيدا : أزيدا إنيه ؟ فكما زيدت ( إن ) هنا توكيدا مع غير ( ما ) ، فكذلك زيدت مع ( ما ) توكيدا . وأما قوله : طعامهم لئن أكلوا معدّ * وما إن لا تحاك لهم ثياب " 1 " فإنّ ( ما ) وحدها أيضا للنفي ( وإن ) و ( لا ) جميعا للتوكيد ، ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام . وذلك أنهم قد وكّدوا بأكثر من الحرف الواحد في غير هذا . وذلك قولهم : لتقومنّ ولتقعدنّ . فاللام والنون جميعا للتوكيد . وكذلك قول اللّه - جلّ وعزّ - : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً [ مريم : 26 ] . فما والنون جميعا مؤكّدتان . فأما اجتماع الحرفين في قوله : * وما إن لا تحاك لهم ثياب * وافتراقهما في لتفعلنّ وإمّا ترينّ فلأنهم أشعروا لجمعهم إياهما في موضع واحد بقوّة عنايتهم بتوكيد ما هم عليه ؛ لأنهم كما جمعوا بين حرفين لمعنى واحد ، كذلك أيضا جعلوا اجتماعهما وتجاورهما تنويها وعلما على قوّة العناية بالحال . وكأنهم حذوا ذلك على الشائع الذائع عنهم من احتمال تكرير الأسماء المؤكّد بها في نحو أجمع وأكتع وأبضع وأبتع وما يجرى مجراه . فلمّا شاع ذلك وتنوزع في غالب الأمر في الأسماء لم يخلوا الحروف من نحو منه ؛ إيذانا بما هم عليه مما اعتزموه ووكّدوه . وعليه أيضا ما جاء عنهم من تكرير الفعل فيه ؛ نحو قولهم : اضرب اضرب ، وقم قم ، وارم ارم ، وقوله :
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 430 ، وتذكرة النحاة ص 667 ، وخزانة الأدب 11 / 141 ، والدرر 6 / 256 ، وهمع الهوامع 2 / 158 .